عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 44

خريدة القصر وجريدة العصر

وعاش العماد ما عاش في خدمة السلطان صلاح الدين مصاحبا له في حضره وسفره ، فحضر مجالسه ، وطاف معه في أنحاء مملكته ، وشاركه في اقتباس العلم وسماع « الحديث » من كبار العلماء ، وصحبه في حروبه وغزواته كلها ، لم يتخلّف إلا مرّة واحدة ، وأبصر بأمّ عينه قهره للجيوش الأوربيّة في سهول مصر وهضاب فلسطين وبطاحها ، فتغنّى بمناقبه وبانتصارات جيوشه ، وأنشد في ذلك أروع أناشيد الوطنية والفخر ، من وحي المشاهدات ، فكان لصلاح الدين وللدولة الأيوبية كما كان لنور الدين ودولته من قبله : أرّخ مفاخر أسرته العظيمة ومناقب جهادها الخالد في مطاردة البغاة ، وكتب وقائع بطولاته الرائعة في كفاحه لإنقاذ الشرق من قبضة المعتدين كتابة شاهد عيان صادق الرواية والرويّة ، ووصف مناقبه في شعره بأرقّ لفظ وأعذب بيان . ولما توفّي - رحمه اللّه - حفظ عهده ، ورثاه أحرّ رثاء بقصيدة طال نفسه فيها فبلغت 232 بيتا ، وكتب سيرته كتابة مستفيضة . * * * العماد بعد وفاة مؤسس الدولة الصلاحية إلى وفاته : عاش العماد بعد السلطان صلاح الدين - رضوان اللّه عليه - ثماني سنين وستة أشهر وبضعة أيام ؛ لأن السلطان توفي سحرة يوم الأربعاء 27 صفر سنة 589 ه ، والعماد توفي مستهلّ شهر رمضان سنة 597 ه . وقد كانت هذه الفترة ، والعماد في شيخوخته محتاج إلى الهدوء والسكينة كل الاحتياج ، من أخطر الأيام التي مرت به في حياته ، وأكثرها إزعاجا لراحته وايلاما لنفسه . انحلّت فيها وحدة الدولة الصلاحية ، وتوثب أبناء صلاح الدين وإخوته بعضهم على بعض ، وكثرت في ممالكهم المتجزئة الأحداث ، واشتدت بينهم الحروب ، ومني الناس من الفتن والشرور بما لا عهد لهم بمثله من قبل ، وكان نصيب النابهين - في أثباج تلك الأحداث والفتن - شيئا